محمد هادي معرفة

76

التمهيد في علوم القرآن

والآيات البيّنة ، الدالّة على أنّ ما يوحى إليه إنّما هو من اللّه تعالى فلا يحتاج إلى شيء سواها ، ولا يفزع ولا يفزّع ولا يفرق » « 1 » . وقال القاضي عياض : « لا يصحّ - أي في حكمته تعالى ، وهو إشارة إلى قاعدة اللطف - أن يتصوّر له الشيطان في صورة الملك ، ويلبس عليه الأمر ، لا في أوّل الرسالة ولا بعدها . والاعتماد - أي اطمئنان النبيّ - في ذلك دليل المعجزة . بل لا يشكّ النبيّ ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) أنّ ما يأتيه من اللّه هو الملك ورسوله الحقيقي إمّا بعلم ضروريّ يخلقه اللّه له ، أو ببرهان جليّ يظهره اللّه لديه . لتتمّ كلمة ربّك صدقا وعدلا لا مبدّل لكلمات اللّه » « 2 » . إذن فلا بدّ أن يكون النبيّ ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) حين انبعاثه نبيّا على علم يقين ، بل عين يقين من أمره ، لا يشكّ ولا يضطرب ، مستيقنا مطمئنا باله مرعيّا بعناية اللّه تعالى ولطفه الخاص ، منصورا مؤيّدا ، ولا سيّما في بدء البعثة فيأتيه الناموس الأكبر وهو الحقّ الصراح معاينا مشهودا ، وهي موقعيّة حاسمة لا ينبغي لنبيّ أن يتزلزل فيها أو يتروّع في موقفه ذلك الحرج العصيب : « إنّي لا يخاف لديّ المرسلون » . * * * وأيضا فإنّ النبيّ ( صلى اللّه عليه وآله ) لم يختره اللّه لنبوّته ، إلّا بعد أن أكمل عقله وادّبه فأحسن تأديبه . وعرّفه من أسرار ملكوت السماوات والأرض ما يستأهله للقيام بمهمة السفارة وتبليغ رسالة اللّه إلى العالمين . كما فعل بإبراهيم الخليل ( عليه السلام ) قال الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : « ولقد قرن اللّه به ( صلى اللّه عليه وآله ) من لدن أن كان فطيما أعظم ملك من ملائكته ، يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره . . . « 3 » » وقال الإمام

--> ( 1 ) مجمع البيان : ج 10 ص 384 . ( 2 ) رسالة الشفا : ص 112 . ( 3 ) نهج البلاغة : الخطبة القاصعة : 192 ص 300 صبحي الصالح .